.فورين أفيرز: كيف نتجنب حربًا أهلية سورية أخرى؟ ابدأ بتبنّي الفيدرالية

مترجم من المصدر
10-9-2025

في ديسمبر، صدمت مجموعة من الفصائل المتمرّدة، بقيادة “هيئة تحرير الشام”، العالم بإطاحتها بالدكتاتور السوري بشار الأسد. وقد أنشأ زعيم الهيئة، أحمد الشرع، حكومة للإشراف على المرحلة الانتقالية في البلاد. الشرع هو جهادي سابق، سبق أن قاد فرع تنظيم القاعدة في سوريا. ومع ذلك، سرعان ما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه له، واصفًا إياه بأنه “صارم” و”جذاب” بعد لقائهما في مايو. ومنذ ذلك الحين، علّقت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على سوريا، وأصدرت بيانات تأييد لحكومة الشرع المؤقتة.

ومنذ تولّيه السلطة، سعى الشرع إلى كسب الدعم الخارجي عبر التنصل من الفكر الجهادي، وطرح إمكانية تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد أقنع هذا الخطاب، إلى جانب سجله الناجح نسبيًا في إدارة شؤون السنّة السوريين في محافظة إدلب خلال السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية، عددًا من المسؤولين الأميركيين السابقين والحاليين بأن الشرع هو الرجل المناسب للمرحلة.

تشهد سوريا اليوم موجة جديدة من العنف، فيما يضم ائتلاف الشرع عناصر جهادية لم تتخلّ عن فكرها المتطرّف. والمشكلة في سياسة واشنطن تجاه سوريا ليست في دعمها لحليف سابق لتنظيم القاعدة، بل في تأييدها لرؤية الشرع القائمة على حكم مركزي لدولة متنوّعة وطائفية ممزّقة بانعدام الثقة العميق.

في يوليو، ذهب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إلى حد

استبعاد أي دعم أميركي لترتيب فيدرالي من أي نوع، بما في ذلك السماح بسيطرة محلية على أجهزة الشرطة.

وتعارض الحكومة الانتقالية في دمشق الفيدرالية بشدة، إذ تراها مقدمة للفوضى وتفكك الدولة وفقدان “تحرير الشام” لسيطرتها. كما أن الأمثلة القريبة لا تبعث على الثقة: فالنظام التوافقي في لبنان والنظام الفيدرالي في العراق لا يعملان سوى بالكاد. ويعتقد بعض حلفاء الشرع أن من حق السنّة السوريين، بوصفهم الغالبية السكانية، أن يحكموا الأقليات الدينية.

يفتقر أحمد الشرع ومستشاروه المقرّبون إلى رؤية واضحة لسوريا التي يريدون بناءها. فهم معتادون على إدارة إدلب، وهي مدينة صغيرة بشارع رئيسي واحد، كملاذ للإسلاميين، وليست دولة كبيرة متعددة الأعراق والطوائف. علاوة على ذلك، الشرع ليس طاغية مطلق الصلاحيات؛ بل هو مقيّد بدائرة داخلية يتشاور معها لاتخاذ القرارات، وتلك الدائرة تميل إلى احتكار السلطة.

ولكي تتاح فرصة حقيقية لسوريا للتعافي من خمسين عامًا من الاستبداد وعقد من الحرب الأهلية، يجب أن يُسمح لمجتمعات الأقليات بالاحتفاظ بدرجة من الحكم الذاتي. من المرجّح أن تحكم البلاد شخصية قوية، لكن دون نوع من الفيدرالية، ستستمر دوامة العنف الطائفي العنيف. وإذا شعرت الأقليات بوجود حكومة مركزية مفترسة، فإنها ستقاوم، وقد تلجأ إلى قوى خارجية لدعمها في المواجهة.

إن عودة الحرب الأهلية ليست احتمالًا مستبعدًا. ويجب على شركاء سوريا، بمن فيهم الولايات المتحدة، أن يشجّعوا على ترتيب لتقاسم السلطة.

جيوش صغيرة في كل مكان

عندما أُطيح ببشار الأسد، بدا أحمد الشرع في نظر العديد من الحكومات

الأجنبية الشخص المناسب لحكم سوريا. وقد افترض السنّة العرب في سوريا أن البلاد لم يعد ممكنًا أن تُحكم من قبل أقلية دينية أو عرقية، مثل عائلة الأسد العلوية، وأن الإسلاميين الذين أطاحوا بالأسد سيكونون جزءًا من الحكومة المقبلة.

من جانبها، أدركت الولايات المتحدة أن قدرتها على التأثير في مرحلة الانتقال ستكون محدودة. لكنها احتفظت بنفوذ في شمال شرق سوريا، حيث حافظت لسنوات على وجود عسكري صغير لمنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولعرقلة وصول إيران إلى لبنان. والآن، بعد أن أصبح تنظيم داعش مجرد ظل لما كان عليه سابقًا، وباتت سوريا تُدار من قبل حكومة تعارض إيران بشدة، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب القوات من سبع قواعد من أصل ثماني قواعد أميركية في سوريا.

كان هناك لحظة، عقب استيلاء الشرع على السلطة، بدا فيها أن الارتياح من رحيل الأسد والرغبة العميقة في الاستقرار قد يمهدان الطريق لتكريس حكم مركزي صارم. أما اليوم، فتسيطر حكومة الشرع على ممر يمتد من درعا في الجنوب إلى حلب في الشمال، على طول الطريق السريع M5، بالإضافة إلى إدلب وساحل العلويين في شمال غرب البلاد. لكنها لا تسيطر على محافظة السويداء في الجنوب الغربي، ولا على الشمال الشرقي الكردي.

إجهاض إمكانية الحكم المركزي

غير أن إمكانية تكريس الحكم المركزي سُحقت في مارس، حين أقدم مقاتلون سنّة، بعضهم ينتمي إلى قوات الحكومة السورية الجديدة، على قتل ما لا يقل عن 0051 علوي. وقد ألقت حكومة الشرع باللوم على العلويين في بدء دوامة العنف، واعتبرت أن عمليات القتل يجب أن تُفهم في سياق “الرغبة الطبيعية في الانتقام” من طائفة دعمت نظام الأسد الخبيث.

لكن في الواقع، كانت قاعدة دعم الأسد أكثر تعقيدًا؛ فقد دعم عدد كبير من السنّة النظام السابق، بل قاتلوا في صفوفه. كما أن عائلة الأسد لم تفعل شيئًا يُذكر للتخفيف من الفقر المنتشر بين العلويين، كي يبقوا خاضعين للجيش والدولة.

مهما كان التوازن بين الشر والخير، فقد بدا أن حكومة الشرع تتغاضى عن العنف الانتقامي، بل وتبرّره ضمنيًا.

الاعتداء على الدروز

ثم، في يوليو، سهّلت حكومة الشرع هجمات استهدفت طائفة دينية أخرى هي الدروز، الذين يعيشون في محافظة السويداء، الممتدة من جنوب دمشق إلى الحدود الأردنية. يعيش الدروز في منطقة فقيرة، ويتبعون ديانة باطنية يرفضها كثير من المسلمين باعتبارها خارجة عن الإسلام.


اتهمت الحكومة الدروز بمقاومة حكمها، وشنّت بمشاركة عشرات آلاف من المقاتلين القبليين البدو، هجمات على قرى درزية، أسفرت عن مقتل مئات الأشخاص، بينهم عدد كبير من المدنيين غير المقاتلين.
كما فرضت الحكومة حصارًا على السويداء، وقيّدت الوصول إلى نقطة تفتيش جنوبية كانت تنظم دخول قوافل المساعدات الإنسانية.

وعلى الرغم من أن البدو والدروز حاربوا معًا ضد الأسد خلال الحرب الأهلية، فإنهم ظلوا خصومًا تقليديين. وقد أجّج التنافس على الموارد العداوة القديمة بين الجانبين، في وقتٍ غذّى فيه مؤثّرون إسلاميون متطرفون عبر تطبيق تيليجرام الكراهية الطائفية بين الطرفين، واحتفلوا بعمليات القتل والاغتصاب التي طالت القرويين الدروز.

إسرائيل ودورها في حماية الدروز

ترى إسرائيل نفسها حاميةً للدروز، نظرًا لامتلاكها أقلية درزية كبيرة داخل أراضيها، ورغبتها في أن يلعب دروز سوريا دور الحاجز بين إسرائيل والنظام الإسلامي الجديد في دمشق. وقد أنهت القوات الإسرائيلية الهجوم على الدروز عبر شنّ غارات جوية استهدفت مقاتلين بدو، كما قصفت وزارة الدفاع السورية. ولولا تدخل إسرائيل، لكان عدد الضحايا مرشحًا للارتفاع بشكل كبير.


يميل الشرع إلى استخدام القوة لتحقيق أهدافه، ويمتلك أداة فاعلة في يده تتمثل بالمقاتلين البدو. ففي عهد نظام الأسد، استعانت الدولة ببعض القبائل البدوية لخوض معاركها، لكن ذلك كان على نطاق أصغر بكثير. أما في يوليو، فقد تمكنت حكومة الشرع من حشد قوات بدوية من معظم أنحاء سوريا، بمساعدة مؤثرين جهاديين على الإنترنت، كثير منهم لا يرتبطون رسميًا بالحكومة.

وقد أرعبت هذه الشبكة الرقمية المتنامية المجتمعات الأقلوية الضعيفة، تمامًا كما أرعبها رفض الحكومة، منذ وقوع الهجمات، تقديم ضمانات لحماية الدروز أو السماح بدخول كميات كافية من المساعدات إلى السويداء. ويعتقد بعض المسؤولين داخل حكومة الشرع أن أي تنازلات تُقدَّم للدروز ستُعتبر بمثابة مكافأة على التمرّد.

تصاعد القلق الكردي بعد موجات العنف

أدّت موجات العنف الأخيرة إلى تعبئة أقلية أخرى في سوريا، وهي الأكراد، الذين يسيطرون على شريط واسع من الأراضي شمال شرق البلاد. وقد تحالفت “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، وهي ميليشيا يغلب عليها الطابع الكردي وتضم مقاتلين عربًا أيضًا، مع القوات الأميركية لهزيمة تنظيم داعش في سوريا.


في سعيه لفرض حكم مركزي، ضغط أحمد الشرع على “قسد” لتسليم سلاحها والانخراط ضمن جيش سوري جديد يحل محل جيش الأسد، لكن بعد مشاهدة النظام يدعم الهجمات على العلويين والدروز، فقد الأكراد أي رغبة في تسليم أسلحتهم أو الانصهار في جيش الشرع. في الواقع، وصف ممثلو “قسد” تغير موقفهم من الحكومة الانتقالية بأنه تحوّل ما بين “ما قبل السويداء” و”ما بعد السويداء”.


كانت الحكومة الانتقالية قد خططت لعقد محادثات مع قادة “قسد” في باريس هذا الصيف، لكنها انسحبت في أغسطس، معلنةً أن وقت التفاوض قد انتهى، وأن مسألة دمج الأكراد ستُحسم “ميدانيًا”، على الأرجح بالقوة، مع اعتبار دير الزور نقطة بداية محتملة.


ومع ذلك، لا يبدو أن قوات الشرع تملك القوة الكافية لابتلاع أو تحدي الميليشيات الكردية. وتقول الحكومة السورية إنها جنّدت 001 ألف جندي، من بينهم 03 ألفًا من أفراد “الجيش الوطني السوري” السابق، لكن هذه الأرقام تبدو مبالغًا فيها. وحتى لو نجحت دمشق في تنظيم وتدريب وتجهيز جيش بهذا الحجم، فسيكون مسؤولًا عن مساحات شاسعة من الأرض، ما يمنح “قسد” تفوقًا مستمرًا ضمن المساحة الأصغر التي تسيطر عليها.


أما القيادات الدرزية، التي لطالما كانت منقسمة، فقد توحدت لرفض محاولات ضم أراضيها إلى دولة مركزية يهيمن عليها فصيل هيئة تحرير الشام. كما توحّدت الميليشيات الدرزية لتشكيل ما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، بهدف حماية وحدة الأراضي في محافظة السويداء.

حكم الأغلبية؟

كلما زادت الحكومة في قمع الأقليات، زادت مقاومة تلك الأقليات لمحاولات فرض الحكم المركزي، ما يعني المزيد من إراقة الدماء، وفتح المجال أمام تدخل قوى أجنبية -مثل إسرائيل أو إيران- في الشأن السوري، واستمرار فقر وبؤس السوريين من مختلف الفئات.

من الحكمة أن تتوقف الولايات المتحدة عن رفض الفيدرالية، وأن تشجع على نقل بعض الصلاحيات إلى السلطات المحلية أو الإقليمية. يمكن أن تبقى السياسات المالية والنقدية، والعلاقات الخارجية، والدفاع عن الحدود السورية، تحت سيطرة الحكومة المركزية. وقد يتيح هذا النظام تجنّب الشلل السياسي الذي يعاني منه النموذج التوافقي اللبناني، عبر منح الأقليات سلطة حقيقية في المناطق التي تشكّل فيها غالبية، بدلًا من فرض الشمولية السياسية على المستوى الفيدرالي.

كما أنه سيكون أفضل من النظام العراقي، الذي يعاني من نزاعات اقتصادية لا تنتهي بسبب منح سلطات واسعة لحكومة إقليم كردستان. ورغم أن لبنان والعراق لا يخلوَان من المشكلات، فإن أوضاعهما ستكون أسوأ لو لم تُقيّد سلطات حكومتيهما المركزيتين.


على واشنطن أن تقنع القادة السوريين بأن سعيهم لاحتكار السلطة المركزية سيرتدّ عليهم بنتائج كارثية: تعميق الانقسامات الطائفية، وتأجيج العنف، وكبح النمو الاقتصادي، وتقويض مصداقيتهم الدولية.

يبدو أن صانعي القرار في واشنطن بدأوا يتحولون تدريجيًا نحو قبول فكرة الفيدرالية في سوريا. لا يزال مكتب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا يؤكد على ثقته الكاملة بكفاءة أحمد الشرع والتزامه بسوريا تعددية، لكنه في الوقت نفسه، بات أكثر حذرًا تجاه تكلفة الحكم المركزي ومدى قابليته للتطبيق.

وفي أغسطس، قال المبعوث الأميركي توم باراك إنه يؤيد “شيئًا أقل قليلًا من الفيدرالية”.


في نهاية المطاف، سيقرّر السوريون شكل نظام الحكم بأنفسهم — وهذا كما يجب أن يكون. لكن على إدارة ترامب أن تدرك وزن تصريحاتها، وأن تضمن ألّا تساهم دون قصد في تشجيع أسوأ نزعات الحكومة الانتقالية، التي قد تُعيد البلاد إلى أتون حرب أهلية جديدة.