فورين بوليسي: الصداع السوري الجديد لأنقرة.. إطاحة الأسد لم تُنهِ مشكلات تركيا، بل زادتها تعقيدًا.

مترجم من المصدر
9-9-2025

عندما سقط الديكتاتور السوري بشار الأسد في أواخر العام الماضي، بدت الفرصة وكأنها ذهبية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.. فقد أثقلته الحرب المجاورة لأكثر من عقد من الزمن بمشكلات لم تستطع أنقرة حلّها: ملايين اللاجئين السوريين الذين أثاروا توترات في السياسة الداخلية، وميليشيات كردية مدعومة من الولايات المتحدة ترسّخت على طول الحدود التركية، وساحة معركة يهيمن عليها النفوذ الروسي والإيراني، مما جعل أنقرة رهينة لأهواء موسكو وطهران.

سقوط الأسد، خصوصًا على يد قوات مقرّبة من تركيا، بدا وكأنه بوابة للانفراج في كل هذه الجبهات، وفي توقيت مثالي.. فقد كان أردوغان وحلفاؤه القوميون قد أعادوا فتح قنوات التواصل مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، بهدف كسب دعم الحزب المؤيد للأكراد داخل البرلمان، وهي مناورة تهدف إلى تمهيد الطريق أمام ترشّح أردوغان مجددًا في انتخابات 8002.
وكان إضعاف الجناح السوري للـKKP سيزيد من فرص إحراز تقدّم في هذا الحوار مع أوجلان.


الحسابات في أنقرة كانت أن وجود حكومة صديقة في دمشق سيمنح تركيا فرصة لإعادة تشكيل سوريا بما يناسبها.. لكن وبعد مرور ثمانية أشهر، جاءت النتيجة معاكسة تمامًا، فسوريا ما بعد الأسد تُسبّب لأنقرة صداعًا أكبر بكثير مما كان يسبّبه الأسد نفسه.

إسرائيل أصبحت بسرعة التحدي الأكبر لأنقرة في سوريا ما بعد الأسد.. فعلى الرغم من عدم ثقتها بالرئيس المؤقت أحمد الشرع بسبب ماضيه الجهادي، لم تضيّع إسرائيل وقتًا في توسيع نفوذها بمجرد انهيار النظام السابق. فبعد أقل من يوم على سقوط الأسد، تقدّمت القوات الإسرائيلية عبر مرتفعات الجولان -الأراضي التي احتلتها في حرب 7691-واستولت على تحصينات عسكرية سورية مهجورة. وخلال عشرة أيام فقط، كانت الطائرات الإسرائيلية قد قصفت مئات الأهداف داخل الأراضي السورية. وعلى الأرض، توغّلت قواتها لما لا يقل عن 12 كيلومترًا داخل سوريا، وأقامت تسعة مواقع عسكرية، ورصفت طرقًا، وزرعت ألغامًا.

تُقدّم إسرائيل هذه التحركات باعتبارها دفاعية، ضرورية لمنع تهديدات جهادية وحماية الأقليات المعرضة للخطر.
لكن أنقرة ترى شيئًا مختلفًا تمامًا: تمددًا إسرائيليًا يزعزع استقرار سوريا الجديدة الهشة ويقوّض عملية السلام التي أطلقها أردوغان مع حزب العمال الكردستاني.

قلق تركيا من تصرفات إسرائيل في سوريا يعكس مخاوف أعمق من صعودها كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة.
فمنذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 3202، وسّعت إسرائيل من نفوذها بشكل ملحوظ، فهاجمت إيران ووكلاءها، وعزّزت وجودها في دول الجوار، وكان آخرها استهداف الحليف الإقليمي لتركيا، قطر.

ورغم أن أنقرة ترحّب بإضعاف طهران، إلا أن السلوك الإسرائيلي المتحرر من القيود بات يُقلقها بشدة. والآن، مع تحذيرات بعض المعلقين الإسرائيليين من أن تركيا أصبحت “إيران الجديدة”، وتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه سيسعى لمنع “إحياء الإمبراطورية العثمانية”، بدأت تركيا تشعر بأن التهديد بات شخصيًا.

القلق التركي متجذّر أيضًا في تحوّل بنيوي:
فبعكس ما كان عليه الحال في تسعينيات القرن الماضي، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى تركيا كما كانت سابقًا. آنذاك، شكّلت الدولتان شراكة استراتيجية ضد أعداء مشتركين -إيران وسوريا- تُوّجت باتفاق التعاون العسكري التاريخي في عام 6991.

قامت إسرائيل بتحديث الأسطول الجوي التركي، ونقلت إليه تقنيات صاروخية متقدمة، وشاركت معلومات استخباراتية، بينما منحتها تركيا شرعية نادرة في بيئة إسلامية معادية، إلى جانب غطاء من عضوية الناتو وجسر نحو أوروبا.

أما اليوم، فقد قلّصت إسرائيل بشكل تدريجي اعتمادها على أنقرة، عسكريًا ودبلوماسيًا وطاقويًا.
فقد استبدلت أنقرة بنيقوسيا وأثينا، وأسّست علاقات عسكرية ودبلوماسية وثيقة مع كل من قبرص واليونان. وداخل الاتحاد الأوروبي، أصبحت الدولتان تمثلان صوت إسرائيل في أوقات التوتر، خصوصًا فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.
وعلى الصعيد العسكري، جاءت التدريبات البحرية والجوية المشتركة مع اليونان وقبرص لتملأ الفراغ الذي خلّفه انهيار التعاون الدفاعي الإسرائيلي التركي.

وقد عمّقت اتفاقات أبراهام هذا التحوّل.. فبينما كانت اعترافات تركيا بإسرائيل تمثل في السابق شرعية نادرة في العالم الإسلامي، فإن السلام مع عدد من الدول العربية جعل من أنقرة طرفًا أقل مركزية في مكانة إسرائيل الدولية.

النتيجة كانت واضحة وصادمة: فإسرائيل اليوم أكثر قوة عسكريًا، وأكثر جرأة في إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، وأقل اعتمادًا على تركيا. وبالنسبة لصنّاع القرار في أنقرة، يجعلها ذلك التهديد أكثر إلحاحًا لطموحاتها في سوريا.

الدماء التي أُريقت في السويداء جاءت لتؤكد أسوأ مخاوف أنقرة.. فما بدأ باختطاف بائع خضار درزي على يد عصابة بدوية، سرعان ما تصاعد إلى جحيم طائفي.. أعمال انتقام، إعدامات، وعنف جماعي في منطقة لطالما كانت مثقلة بصراعات الدروز والبدو.

حاولت حكومة أحمد الشرع الانتقالية احتواء الفوضى عبر إرسال قوات لاستعادة النظام، لكن هذا التدخل فشل على المستويين التكتيكي والسياسي.. فالقوات الحكومية لم تفشل فقط في وقف الاقتتال، بل وُجهت إليها اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين الدروز.

استغلت إسرائيل الفوضى بسرعة.. وفاءً بتعهدها في فبراير بالحفاظ على جنوب سوريا منزوع السلاح وحماية الطائفة الدرزية، شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية ضربات على منشآت تابعة لوزارة الدفاع السورية في دمشق، بل واستهدفت منطقة قريبة من القصر الجمهوري.
وفي غضون أيام قليلة، انسحبت القوات السورية من محافظة السويداء.

الآثار كارثية على دمشق.. لقد كشفت أعمال العنف عن ضعف حكومة أحمد الشرع الانتقالية، وعن مدى تصميم إسرائيل على فرض سيطرتها في جنوب سوريا.

لكن ما يقلق أنقرة أكثر هو أن أزمة السويداء دمّرت خططها الخاصة؛ فالجهد الذي دعمته تركيا لدمج القوات الكردية السورية ضمن هياكل الدولة يواجه الآن مقاومة أشد. فبعد حمّام الدم هذا، ازداد تماسك الأقليات السورية -بما فيها الأكراد- ضد رؤية الشرع المركزية للحكم، وتصلبت مطالبها بالحكم الذاتي.

يشعر أردوغان وحليفه القومي دولت بهجلي -أحد مهندسي مفاوضات أوجلان- بقلق بالغ من احتمال أن يضاعف أكراد سوريا من تمسكهم بمطلب الحكم الذاتي، مستندين إلى تعهد إسرائيل بحماية الأقليات. وهو ما يُقوّض السردية المركزية التي تروجها أنقرة: بأنها “هزمت” حزب العمال الكردستاني، في حين أن ميليشيا مرتبطة بالحزب نفسه ما تزال تفرض سيطرتها على مناطق واسعة جنوب الحدود التركية.

وكانت أنقرة قد راهنت على الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبعوثه السفير الأميركي في تركيا، توم باراك، لنزع فتيل أزمتي إسرائيل والأكراد. إذ تبنّى باراك خطاب أنقرة، مصرًّا على أن الفيدرالية ليست الحل، وضاغطًا على أكراد سوريا لعقد صفقة مع دمشق، بل وحاول كبح العمليات الإسرائيلية. لكن هذه الجهود لم تُثمر، وصارت السويداء الرمز الأوضح لهذا الفشل.

الآثار كارثية على دمشق.. لقد كشفت أعمال العنف عن ضعف حكومة أحمد الشرع الانتقالية، وعن مدى تصميم إسرائيل على فرض سيطرتها في جنوب سوريا.
لكن ما يقلق أنقرة أكثر هو أن أزمة السويداء دمّرت خططها الخاصة؛ فالجهد الذي دعمته تركيا لدمج القوات الكردية السورية ضمن هياكل الدولة يواجه الآن مقاومة أشد. فبعد حمّام الدم هذا، ازداد تماسك الأقليات السورية -بما فيها الأكراد- ضد رؤية الشرع المركزية للحكم، وتصلبت مطالبها بالحكم الذاتي.

وأمام تصاعد التحديات في سوريا الجديدة، عاد أردوغان إلى دفتره القديم: التدخل العسكري، والطلب من روسيا المساعدة.. فقد هدّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان علنًا بشنّ عمل عسكري ضد القوات الكردية السورية إذا سعت إلى تقسيم البلاد، كما وقّع اتفاقًا مع دمشق لتوريد الأسلحة وتدريب القوات. وتحثّ أنقرة دمشق أيضًا على تعميق علاقاتها مع موسكو، التي جرى تهميشها في سوريا ما بعد الأسد، لكنها تجري مفاوضات مع القيادة الجديدة للحفاظ على قواعدها هناك.

بالنسبة لأنقرة، قد يشكّل الوجود الروسي ثقلاً موازنًا للنفوذ الإسرائيلي المتزايد، ويعزز الجهود لكبح الحكم الذاتي الكردي. ومع ذلك، فإن هذه المناورات تحمل مخاطر جدية، سواء على تركيا أو دمشق.

وأمام تصاعد التحديات في سوريا الجديدة، عاد أردوغان إلى دفتره القديم: التدخل العسكري، والطلب من روسيا المساعدة.. فقد هدّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان علنًا بشنّ عمل عسكري ضد القوات الكردية السورية إذا سعت إلى تقسيم البلاد، كما وقّع اتفاقًا مع دمشق لتوريد الأسلحة وتدريب القوات. وتحثّ أنقرة دمشق أيضًا على تعميق علاقاتها مع موسكو، التي جرى تهميشها في سوريا ما بعد الأسد، لكنها تجري مفاوضات مع القيادة الجديدة للحفاظ على قواعدها هناك.

بالنسبة لأنقرة، قد يشكّل الوجود الروسي ثقلاً موازنًا للنفوذ الإسرائيلي المتزايد، ويعزز الجهود لكبح الحكم الذاتي الكردي. ومع ذلك، فإن هذه المناورات تحمل مخاطر جدية، سواء على تركيا أو دمشق.

أي حملة عسكرية جديدة ضد أكراد سوريا ستمنح انتصارًا للمتشددين داخل حزب العمال الكردستاني، أولئك الذين لم يثقوا يومًا بحوار عبد الله أوجلان مع أردوغان، ورفضوا الدعوات لنزع سلاح الحزب. وهذا بدوره من شأنه أن يُعرّض للخطر العملية التي تُعدّ حجر الأساس في خطة أردوغان لإعادة صياغة قواعد اللعبة تمهيدًا لترشحه مرة أخرى في انتخابات 8202.

ومنذ سقوط الأسد، حرصت أنقرة على ألّا تبدو كأنها تسعى للهيمنة على سوريا ما بعد الأسد، وذلك في محاولة لطمأنة عواصم الخليج والغرب في آنٍ معًا. حتى لو نُفذت العملية عبر قوات سورية بدعم تركي، بدلًا من قوات تركية مباشرة، فإنها ستقوّض هذه الصورة بعناية التي سعت أنقرة لترسيخها.


العملية العسكرية ضد أكراد سوريا، الذين ما زالوا يحظون بتعاطف في العديد من العواصم الغربية المهمة لمساعي أحمد الشرع لجذب الاستثمارات والمساعدات لإعادة الإعمار، ستُلحق أيضًا ضررًا كبيرًا بالشرع، الذي حاول إقناع الغرب بأنه يعتزم احترام حقوق الأقليات والتعامل معها بحسن نية.

ويبقى من غير الواضح ما إذا كان الوجود الروسي المحدود في القواعد السورية، أو تقارب دمشق من موسكو، سيُجدي نفعًا في كبح جماح إسرائيل أو الأكراد. ففي يونيو الماضي، وقفت روسيا مكتوفة الأيدي بينما شنّت إسرائيل ضربات على منشآت نووية إيرانية، رغم اتفاق “الشراكة الاستراتيجية” الذي وقّعته موسكو مع طهران قبلها بأشهر فقط.

الواقع هو أن روسيا تُولي علاقاتها مع إسرائيل قيمة كبيرة: كلا الجيشين يعمل داخل الأراضي السورية، وكل منهما حريص على تجنب المواجهة المباشرة. أما إسرائيل، فمن جهتها، فقد التزمت إلى حد بعيد بالحياد في ملف أوكرانيا، خوفًا من استفزاز روسيا بالنظر إلى الجالية اليهودية الكبيرة داخلها.

كما أن روسيا ليست شريكًا موثوقًا في الملف الكردي.. فعلى عكس تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لم تُدرج موسكو حزب العمال الكردستاني أبدًا على لائحة الإرهاب، بل سمحت حتى بفتح مكتب تمثيلي للأكراد السوريين في موسكو عام 6102.

وبالتالي، فإن مساعي تركيا لدفع دمشق باتجاه موسكو قد تنقلب ضدها، فتنفر الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين رحّبتا بتراجع نفوذ روسيا بعد سقوط الأسد. أما بالنسبة للشرع، فقد يؤدي احتضانه لموسكو إلى تسميم العلاقات مع الغرب، ويؤجّج في الوقت نفسه القاعدة الشعبية الداخلية التي تمقت روسيا بسبب دعمها للنظام القديم.

لا توجد حلول سريعة لمشاكل أنقرة المتزايدة في سوريا، والعودة إلى دفتر التكتيكات القديم لن تُجدي نفعًا، ما تحتاجه تركيا هو رؤية مختلفة تمامًا. التمسك بفكرة الدولة المركزية على النمط التركي يتجاهل حقيقة أن هذا النموذج لن يحقق الاستقرار الذي تحتاجه أنقرة بشدة.

قد لا يكون البديل هو الفيدرالية الكاملة، لكن سوريا التي تتمتع فيها الأقليات -بما فيها الأكراد- بحكم ذاتي فعلي في شؤونها المحلية، وضمانات دستورية لحقوقها، قد تكون الخيار الأكثر واقعية. ولا توجد لحظة أفضل لبحث هذا المسار: فأنقرة تجري بالفعل محادثات مع حزب العمال الكردستاني في الداخل، والمسؤولون الأتراك يتداولون فكرة دستور جديد يمكن أن يعالج بعض المطالب الكردية داخل تركيا ذاتها. إن مستقبل سوريا، والعوائد السياسية التي يأمل أردوغان في جنيها داخليًا وخارجيًا، قد يتوقف على تبنّي هذا التحول.