مجزرة الساحل (1): الطريق إلى الاجتياح الدموي | ملف خاص
أربعة أشهر كاملة مرّت منذ تحقيق الجولاني في مجزرة الساحل السوري، ذلك الحدث الكارثي الذي طُمست ملامحه عمدًا في وسائل الإعلام العربية، وخلّف وراءه جراحًا غائرة في ذاكرة الضحايا وكل من تابع الحقيقة.
وبعد طول انتظار، أصدرت ما تُسمى بـ”اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق” بيانها الرسمي بشأن المجزرة. لكن اللافت أن البيان لم يأتِ بوصفه وثيقة تحقيق مهنية، بل كخطابٍ سياسي موجه، يكرّس الجولاني كرئيس فعلي للبلاد!
من هنا تبدأ الحكاية، ومن هنا يبدأ تفكيك الأكاذيب الممنهجة.
في هذا التقرير التحليلي المعمّق،نكشف أكاذيب لجنة الجولاني، ونرد على كل بند كما ورد حرفيًا، معتمدين على حقائق موثقة ومدعّمة بالفيديو.
“اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، المشكلة بقرار من فخامة رئيس الجمهورية العربية السورية” (دقيقة 1:56)
أن يُمنح الجولاني لقب “فخامة الرئيس” في مستهل البيان، فهذه ليست مجاملة بروتوكولية، بل شرعنة لسلطة أمر واقع فُرضت بالقوة بعد انهيار الدولة السورية.. اللافت أنه لم يُستخدم حتى توصيف “الرئيس المؤقت”، ما يعكس انحياز اللجة بالكامل وخضوعها التام لهيمنة الإرهابيين، بهذا تٌفقد اللجنة نفسها أي ادعاء بالحياد.. وهي التي يُفترض أن تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف.
“دونت اللجنة 938 إفادة، منها 452 متعلقة بحوادث قتل و486 متعلقة بالسلب والسرقة والحرق” (دقيقة 3:25)
في الظاهر، يبدو الرقم كبيرًا.. إلا أن البيان لم يُفصح عن نسبة الإفادات التي تدين فصائل الجولاني أو تشير إلى تورّط قياداتهم في هذه الجرائم! فما الذي تم تجاهله عمدًا؟ وما الذي جرى انتقاؤه؟ لا يعلم، وهو ما يُضعف أي مصداقية بهذا التحقيق.
“أشركت اللجنة سبع مساعدات قانونيات من الطائفة العلوية” (3:58)
لا توجد دلائل على أن المساعدات كنّ فاعلات في سير التحقيق أو صياغة نتائجه.. بل يبدو هذا التضمين رمزيًا فقط، كنوع من “الغسيل الطائفي” في محاولة لإضفاء مصداقية شكلية على لجنة تديرها جهة متهمة أصلًا بارتكاب المجازر ضد أبناء الطائفة نفسها.
“استمعت اللجنة إلى 23 إحاطة وإفادة من مسؤولين في الجهات الرسمية. واستجوبت المشتبه بهم الموقوفين، واتخذت الإجراءات اللازمة لإحالتهم إلى القضاء” (4:22)
ما طبيعة هذه “الإحاطات” و”الإفادات”؟ وهل طالت التهم أي عناصر فاعلة من هيئة تحرير الشام أو فصائل الجيش الحر المتورطة في المجزرة؟ من هم هؤلاء “المسؤولون الحكوميون” الذين أدلوا بشهاداتهم؟ وما مواقعهم من الجريمة؟ أين قادة “العمشات” و”الحمزات” الذين فُرضت عليهم عقوبات من الاتحاد الأوروبي على خلفية المجزرة؟ أين قادة أحرار الشرقية؟ أين حسين عبد الغني قائد الهجوم الميداني؟
“أجرت اللجنة مشاورات مركزة مع الجهات الدولية المعنية في الأمم المتحدة.. ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، ومكتب المبعوث الدولي إلى سوريا، ومع هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية” (4:36)
هذا السرد يُراد به خلق انطباع زائف بأن التقرير يحظى باعتراف أو مصداقية دولية، في محاولة لإيهام المتلقي بأن جهات محايدة تتابع عمل اللجنة.. لكن الواقع مختلف تمامًا.. حيث لا يوجد اعتماد رسمي أو مراجعة من تلك الجهات الدولية.. أقصى ما يمكن أن تكون عليه هذه “المشاورات” هو مراسلات شكلية أو لقاءات لم تسفر عن أي تبنٍّ رسمي أو دعم معلن للتقرير.
العبارات المنمقة لا تصمد أمام الحقائق الموثقة، إذ كيف يُفسَّر هذا الادعاء بالحياد، واللجنة: – تشكّلت بأمر مباشر من الجولاني، وهو طرف رئيسي في الصراع، بل متهم سياسيًا وأخلاقيًا بارتكاب أو تغطية المجزرة في الساحل السوري. – لم تكشف عن أسماء الموقوفين، رغم أن بعضهم ظهر في مقاطع موثقة أثناء تنفيذ المجزرة، بوجوه مكشوفة وأفعال لا تقبل اللبس. – لم تفتح اللجنة أي مسار للمساءلة الحقيقية حول دور الفصائل التي يسيطر عليها الجولاني، أو تلك المدعومة من حلفائه الإقليميين.
“اللجنة عرّفت ما شاع تسميتهم بالفلول بأنهم بقايا مجموعات مسلحة، منظمة، مرتبطة بنظام الأسد السابق.. خارجة عن القانون وشرعية الدولة” (3:58)
في حين أن غالبية الضحايا من المدنيين الذين قُتلوا على الهوية ولا علاقة لهم بأي انتماء سياسي أو عسكري، تجاهلت اللجنة أن المقاطع الموثقة تُبت أن تسمية الفلول تُلقيها ميليشيات الجولاني على كل العلويين ،فقط لكونهم علويين، وليس لأي سبب آخر!
لكن يأتي هذا التعريف لا بهدف التوصيف القانوني أو الموضوعي، بل إلى شرعنة الاعتقالات الجماعية والإعدامات الميدانية، تحت ذريعة «ملاحقة الفلول» في محاولة تسويغ سياسي لكل المجازر التي ارتُكبت تحت شعار أمني.
ثم، هل ما في سوريا يمكن أن يُسمى “دولة”؟
في سوريا اليوم، هناك تعدد سلطات متنازعة: هيئة تحرير الشام بقيادة الجولاني، قوات قسد، الفصائل الدرزية، العشائر البدوية، إضافة إلى عشرات الفصائل والمجموعات المسلحة الأخرى. – لا وجود لسيادة موحدة، ولا سلطة تحظى بشرعية دستورية أو انتخابية. – الجولاني لا يمثل دولة، بل سلطة أمر واقع مفروضة بالقوة على مناطق محدودة، تعتمد على: * الميليشيات المسلحة ذات الطابع الإرهابي. * تمويل خارجي، أبرزه من السعودية وقطر. * تفاهمات أمنية إقليمية، بوساطة تركية.
وعليه، فإن ما نشهده في سوريا هو تشظٍ سلطوي مناطقي، لا يمكن وصفه بدولة بالمعنى المؤسسي أو السيادي. وبالتالي، فإن أي حديث عن “شرعية الدولة” في هذا السياق محض تضليل يستخدم لتبرير المجازر بحق المدنيين الأبرياء.
“تؤكد اللجنة أنها بنت استنتاجها على الشبهة وليس على الدليل القاطعة” (6:18)
بعد أربعة أشهر من التحقيق، ومئات الإفادات المزعومة، تصدر اللجنة بيانها استنادًا إلى الشبهات، لا إلى أدلة دامغة، ما يفتح الباب واسعًا أمام الانتقائية والتسييس.
هذا الجزء تحديدًا يفضح نية اللجنة في تبنّي سردية أمنية تبريرية، بدلًا من إجراء تحقيق نزيه ومحايد.
“منذ أن تحررت سوريا من نظام الأسد وحتى بدايات آذار غلبت في مناطق الساحل السوري وعموم البلاد حالة من الهدوء.. ولوحظ خلالها درجة مقبولة من سلوك عناصر الأمن العام والقوات الحكومية، في الانضباط والالتزام” (7:16)
الحديث عن “هدوء وانضباط” في الساحل، بمثابة محوًا متعمدًا لما جرى في النصف الثاني من فبراير 2025، حيث قُتل عشرات المدنيين العزل من الطائفة العلوية في هجمات إرهابية متفرقة، بعضها موثق في مذبحة الدعتور و“خراب مرقية”..
كما أن اختيار “بداية مارس/آذار” كنقطة انطلاق زمنية للتحقيق، هو قرار مسيّس بامتياز، يهدف إلى تجنّب تحميل إرهابيي الجولاني مسؤولية الهجمات الطائفية التي سبقت المجزرة، والتي ساهمت في إشعال ردود انتقامية نفذتها مجموعات محلّية مضادة، ما زاد المشهد تعقيدًا ومهّد لانفجار الوضع. فالمجزرة لم تكن حادثًا معزولًا أو وليد لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة مباشرة لتراكمات من الانتهاكات الطائفية والعنف المنهجي الذي سبقها بأسابيع.. تجاهل التقرير هذه الوقائع تمامًا، في محاولة لطمس السياق الزمني والميداني الذي مهّد لتفجّر الكارثة، وتقديم المجزرة على أنها حدث مفاجئ يفتقر إلى خلفيات أو دوافع واضحة!
“وفي 6 آذار 2025 نفذ الفلول سلسلة عمليات عدائية واسعة، استهدفوا فيها بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، مقرات الجيش والأمن العام.. وقتلوا حسب ما توصلت إليه اللجنة 238 شابًا من عناصر الأمن العام والجيش في محافظات اللاذقية، وطرطوس، وحماة” (7:50)
“قتل الفلول عددا من المدنيين السنة، وفقًا لمعلومات تبلغتها اللجنة، ولم تتمكن من تدوين بياناتهم وفق لمعاييرها” (7:50)
طالما أن اللجنة لم تتحقق من صحة هذه المعلومات، ولم تتمكن من توثيق أسماء الضحايا أو أي معطى ميداني موثوق، فلماذا وردت العبارة أصلًا؟ السبب بسيط: إقحام رواية مضادة تخفّف من وطأة المذابح بحق المدنيين العلويين، وتوهم المتلقي بوجود “تكافؤ في الانتهاكات”، رغم أن المجزرة موثقة بالفيديو!
وبذلك، تُظهر اللجنة انحيازًا بيّنًا، بدلًا من توثيق الحقيقة كما هي.. فهي لا تكتفي بتغييب الوقائع المثبتة،، بل تدرج ادعاءات غير موثقة لتضليل الرأي العام وتخفيف المسؤولية عن ميليشيات الجولاني.
“توصلت اللجنة إلى أسماء 265 من المتهمين المحتلمين المنضمين إلى المجموعات المسلحين المتمردين الخارجين عن القانون، المرتبطين بنظام الأسد، والشائع تسميتهم بالفلول” (9:01)
استطاعت اللجنة أن تُحصي مئات المنتمين إلى ما تُسميه “الفلول”، لكنها لم تتأكد من اسمٍ واحد فقط من ضحاياهم المدنيين الذين تدّعي أنهم سقطوا على أيديهم.. وكأنّ هؤلاء الضحايا كانوا أرواحًا بلا أجساد!
“حاول الفلول سلخ جزء من أراضي الدولة السورية عن سيادتها وفق أحكام قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 وقانون العقوبات “العسكري رقم 61 لعام 1950 (9:38)
بمراجعة هذين القانونين وموادهما.. يتبيّن أن الجولاني يستحق الإعدام شنقًا، بتهم الخيانة العظمى، والتخابر مع جهات خارجية، والتآمر على تقويض الدولة، عبر تشكيل كيانات عسكرية تسعى لإشعال فتنة مسلحة أو تقسيم أراضي الوطن!
“سيطر الفلول بشكل كامل أو جزئي على المدن والبلدات والقرى والطرقات، بهدف فصل الساحل عن سوريا وإقامة دويلة علوية بتخطيط وتمويل وإعداد وتنفيذ من قبل مجموعات مدربة، مترابطة” (9:54)
صحيح أن مجموعات محلية سيطرت على بعض المواقع في الساحل، لكن لم يُوثق أي نداء لإقامة دويلة علوية!
بل على العكس، المقاطع المصورة لقائد ما يسمى “درع الساحل”، مقداد فتيحة.. تظهره يدعو السوريين من جميع المكونات للانضمام إلى “معركة الدفاع عن الأرض ضد الإرهابيين”، ويؤكد أن معركتهم ليست طائفية بل “وجودية وطنية”.
أما البيان المنسوب للعميد غياث دلا باسم “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، فقد روجّته قناة الجزيرة، على أنه معلومات من مصادر خاصة!
وعلى الرغم أنه بيان مجهول المصدر، ولم يُثق أي وجود لهذا المجلس على الأرض.. لكنه لم يتضمن أي مشروع تقسيمي، بل دعا إلى “استعادة الدولة ومحاسبة الإرهابيين” دون الإشارة لأي كيان طائفي.
يُطرح هنا سؤال منطقي: إذا كانت اللجنة تحتكم إلى قوانين الدولة السورية المُعتمدة منذ عشرات السنين، فإن مَن تصفهم بـ«الفلول» هم في الأصل ضباطها وجنودها.. فكيف يُدان العسكري الذي قاتل تنظيم القاعدة بزعامة الجولاني، ويُبرَّأ الإرهابي المدعوم من الخارج لهدم الدولة؟!
ما وظيفة الجيوش إذًا؟
“تحركت عقب ذلك القوات الحكومية، والفصائل، وقوات عسكرية أخرى. واندفعت بشكل عشوائي مجاميع الفزعات الشعبية، ومجموعات اخرى.. فازدحم الطريق الدولي بما يزيد عن 200 ألف مسلح، يتحركون باتجاه منطقة سيطرة الفلول لاستعادتها” (10:18)
يشير الحديث عن أكثر من 200 ألف مسلّح إلى حجم الهلع وحالة التعبئة التي أعقبت مقتل عناصر من الإرهابيين. كما أن ما سُمّي بـ«الفزعات» لم يكن كلّه عفويًا أو أهليًا، بل ضمّ قوافل منظّمة انطلقت بتنسيق مع فصائل تابعة أو محسوبة على الأمن العام وميليشيات الجولاني. ولهذا، يتعمّد التقرير استخدام عبارات مبهمة مثل «مجموعات أخرى» للتغطية على هوية الفصائل المتورطة.
“وفي فجر يوم الجمعة، الواقع 7 آذار، ومن بعض القرى المرتفعة والمطلة على الطريق، استهدف الفلول بأسلحتهم الرتل العسكري وقوافل الفزعات وسيارات المدنيين، فُقد على إثر ذلك عدد من العسكريين والمدنيين” (10:25)
القصف العشوائي براجمات الصواريخ، قصف المناطق السكنية بالبراميل المتفجرة، والإعدامات الجماعية على الهوية.. جميعها جاءت كردٍ مبني بالكامل على ذلك الكمين، وكأن القرى التي وقعت فيها المجازر، وهي الضحية، هي من بادرت بالعنف!
والأسوأ من ذلك: أن الرد العسكري لم يكن “محددًا” أو موضعيًا، بل اتسع ليشمل اجتياح قرى لم تشارك أصلًا في الاشتباك، وشهدت عمليات انتقامية واسعة طالت آلاف المدنيين، حيث أُعدمت عائلات بأكملها لمجرّد أنهم علويون.
لا ننكر وقوع خسائر في صفوف ميليشيات الجولاني، فالحرب الأهلية السورية مستمرة منذ أربعة عشر عامًا.. لكن استخدام هذه الخسائر ذريعة لاجتياح جماعي ومجزرة طائفية ممنهجة، هو ما يجب فضحه.
التناقض الصارخ بين بيان اللجنة والمشاهدات الميدانية يفضح الطابع السياسي للبيان.. فقد تجاهل الجرائم الموثقة، وتغاضى عن شهادات الضحايا، وادعى وقائع بلا أدلة، وذهب إلى تبرير التطهير الطائفي عبر استخدام مجتزأ للقوانين.
ما أُرفق هنا من مشاهد وتواريخ موثقة، يُظهر جزءًا من الحقيقة.. الحقيقة التي تكشف واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية: إنها مجزرة الساحل السوري.
نستكمل معكم في الجزء الثاني، الرد التفصيلي على #لجنة_طمس_الحقائق